«قصص الموت من أفواه الناجين»

قصص واقعية

 

من حرب العدو الصهيون على لبنان عام 2006م.

«قصص الموت من أفواه الناجين»، هي حكايات  دماءٍ طاهرة، وأرواحٍ مطمئنة ورجالٍ أعاروا لله جماجمهم، رجالٌ من لبنان، لهم إسوةٌ في إخوتهم في الدين في العراق، وأطفال الحجارة في فلسطين، ودعم الأحرار على إمتداد الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه...

«قصص الموت من أفواه الناجين»، هي قصص من شعبٍ كُتِبَ عليه الجهاد في سبيل الله، فقام بدوره خير قيام. فمنهم من إستشهد، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا...

«قصص عذابات أهلي»

«وخجلنا من تراب الوطن»

 

          إن القصص الإنسانية عندما تتعرى أمام الحقيقة، ترفع عنها الأقنعة، ثم تبدو النفس البشرية كما هي...

ينتصب فيها ماردٌ مفزع لكل صورة من صورها، مارد الأنانية، مارد الحقد، مارد الوحشية، مارد حب النفس، مارد الغدر، مارد... مارد...

لكل قصة ماردها، تستشف منه القوة إما العار، إما الشرف... وتحت أقدام كل مارد تداس آلاف الزهور الطيبة الرائحة، زهرة الحب، زهرة الأمومة، زهرة الحنان، زهرة العطاء، زهرة الإيمان، وزهرات وزهرات...

 وأما  إذا كان المارد من نوعٍ آخر. مارد الحقيقة، مارد الفداء، مارد التضحية، مارد الصدق، مارد الصمود، مارد الإخلاص، يكون مصير تلك الزهرات الخلود وراحة النفس حتى لو كانت في لحظات لفظ الأنفاس...

 من جديد؛ عاد ذلك المارد القبيح ليذبح العديد من قرى جبل عامل على مذبح القداسة، كي لا ننسى، يأبى ذلك الجبل التعمد إلا بالشهادة، عميقٌ جرحك، حزن بنيك، كم من الجراح لنعلنك كربلاء العصر الجديد؟؟؟

 كيف سندخل إليك، وندوس ترابك الطاهر بهاماتنا الخجلى!!!

 قدرك أن تكون الجبل الجريح في الوطن المقدس، نتهجى فيه معنى الكرامة والعنفوان، ونتعلم أبجدية الإباء والشهادة، كلما نُحرتْ إزددتَ حياةً!!!

 تزهر أشجارك بخجل، تعقد براعمك عشقاً للشهادة، وقبل أوان القطاف يغشاك خريف ودخانُ عدوٍ ماردٍ جبان لا يتقن إلا ذبح الأطفال على أغصانك المباركة...

قدرك أن تكون ميناءً لدمنا وذاكرتنا التي تؤرخ لمعارك الخير والشر...

ليس بجديد حزنك وجراحك، نحن الجنوبيين نجترع الموت يومياً، وتسري الأشجان في أوردتنا كالدماء...

سواعد أبناءك السمراء التي نقشت على جبين أمتنا عناوين الشرف العربي، وفي وجه كل شهيدٍ من أحفادك رسائل للنخوة والكرامة العربية، لكن قدرنا أن نحمل جراحنا الكربلائية إلى جانب حليب قانا الجليل وعيناتا وصريفا ومرواحين وبنت جبيل وبليدا و.... و.... و... ونمشي على تخاذل الأنظمة العربية المتفرجة من مغربها إلى مشرقها...

ليس أمامك سوى الحياة....

حكاياتك منذ الأزل، حكاياتُ شعبٍ بريءٍ وإرهابٍ مزمن، مأساتك أنك على حافة منطقة زرع فيها الشر، وأنت تحاول ايجاد بصيصٍ لترى من خلاله العالم وتتنسم بعضاً من الحرية، وذروة مأساة أهلك في إصرارهم على الحرية والكرامة، ومقاتلة الشر، وعلى مدى سنواتهم الغابرة القاتمة، المليئة بنضالاتهم المشرفة التي زينت التاريخ العربي بأروع الصور القومية والوطنية...

 هكذا كنت، وما زلت، شامخ بطهارة ترابك وايمان شعبك، قيمةً تحتفظ بحجمها وفاعليتها على مدى العصور...

الإهــــداء 

«إهـداء من القلب إلى أحن قلب، قلبك أمي...»

 

إلى ملائكة العصر الذين حضنوا بأجنحتهم وأرواحهم تراب الوطن...

إلى أرواح شهداء الغدر والحقد الصهيوني على إمتداد الوطن العربي...

إلى أبطال الأمة الذين أناروا بأرواحهم وأجسادهم ظلمات القدر...

إلى التي حضنتني بين جناحيها منذ أن عرفتُ الحياة لأحلق في دنيا الأمـان.

إلى روح والدتي التي رَسَّخَت في أعماقِي الإيمان بالله، وعلمتني معنى المحبة، وغرست في نفسي أسمى معاني العطاء حتى التضحية.

إلى أرواح الأمهات الهائمة التي تبكي وتحنُ وتشتاق إلى عودة أبنائها العاقين.

إلى من يُنسبُ إليها كُلُ عَمَلٍ أقومُ بِهِ «إهـدَاء».

إلى أمـي أهـدي كتابِيَ الأول.

إلى القلوب المتألمة التي أحست بالألم، وارتوت بالدموع.

إلى كُلِ أُمهـات الجنوب.

إلى كل أمٍ جاهدت وسكبت حنانها في أبناء سيطر فيهم «حب النفس» على برِ الوالدين.

إلى كُلِ الأمهـات اللواتي وهبتن أنفسهن لأسمى ما في الوجود «الأمومـة».

إلى كل عاقٍ بوالديه، إستيقظ به الضمير.

 

إليـــكِ أُمـــي ؛ بكل خشوع أقدم كتابي هذا...

صالح محمد الزين

القصة الأولى

واقعية حصلت في جنوب لبنان في حرب تموز عام 2006

مريم نايمة

        أم عفيف، جدة جنوبية، في العقد الثامن من عمرها، ذاقت علقم العمر، أماً لإحدى عشر شهيداً، لم يبقَ لها سوى "كومة من الصور والذكريات الأليمة"، والكثير من "حرقة القلب المكسور".

تمشي أم عفيف في قريتها بين منازل أحد عشر فرداً من أولادها وأحفادها دفنتهم بعد وقف إطلاق النار.

بكت تلك الجدة الجنوبية حتى لم يعد بوسعها البكاء. تروي ما بقي عالقاً في ذاكرتها أثر ضربة جاءت كبيرة وقاصمة على إمرأة وقفت على عتبة الثمانين من العمر لتقول:«مصابي مثل أهل البيت وأكتر، الله يضربهم».

تشتتت عائلة أم عفيف بين القرى شأنها شأن كل العائلات الجنوبية، فكانت الجدة وإبنتها مريم وتغريد وحفيدتها بتول (إبنة مريم)، يختبئون في منزلهم دون علمهم أن جيش العدو يكمن في منزل ولدها المقابل لمنزلها.

طلبت بتول في تلك الصبيحة من والدتها مريم "خيارة". ومن "سحرة" الخضار قرب جدار المنزل خرجت مريم تأتي لطفلتها بما ترغب به. لم ترغب بأن "تكسر بخاطر" طفلتها الوحيدة.

لم تكن تحمل سلاحاً، فقط كانت تحمل بين أضلعها قلباً مليءٌ بحنان الأمومة. إمرأة في الخامسة والثلاثين من عمرها.

كان الإسرائيليون بإنتظارها، ما أن خرجت من باب البيت حتى قتلوها بكل بساطة وبرودة أعصاب.

خرجت أم عفيف تحت زخات الرصاص، وبيديها المرتجفتين "دسَّت" نبض مريم فلم تجده «عرفت أنها رحلت» وبعزيمة مؤمنة سحبت جثة إبنتها إلى خلف باب الدار لمسافة لا تقل عن عشرة أمتارتقول:«ما كنت قادرة إتركها قدامهم».

إلى هناك لم تجرؤ تغريد على الخروج لمساعدة والدتها «ما تجرأت تغريد تطلع معي». وبعد ساعة على إستشهادها حاولت الأم المفجوعة تغيير ملابس مريم المروية بدم الأمومة البريء حتى لا تصدم حفيدتها بذلك المنظر المرعب، "كانت تيابها كلها دم، ما بدي تخاف منها بتول طفلتها»، حاولت نزع الملابس عن جثة إبنتها في المرة الأولى أغمي عليها، في الثانية تمكنت من نزع قميصها ومن ثم عادت وفقدت وعيها. وفي الثالثة كذلك، حتى الرابعة تمكنت أم عفيف من الباسها "بيجاما" كانت مريم تحبها.

بتول إبنة العام والنصف لا تفارق جثمان أمها طالما هي صاحية. تقول الجدة: «ما ما كانت تروح من حدها إلا لما تنام». كانت الطفلة تطلب من جدتها: «غطي مريم يا تاتا... مريم نايمة». هكذا عبرت بالكلمات القليلة التي تقوى على لفظها. وهي تسرح بيدها الصغيرة الناعمة البريئة الشعر الهامد المسترسل على جثمان أمها.

بيدين عجوزتين سحبت تلك الأم الثمانينية جثة إبنتها مريم، وهناك خلف باب الدار احتفظت بها عشرة أيام كي لا تنهش جسدها الكلاب "المستعرة" الحقيقية، بعد أن نهشتها الكلاب الصهيونية.

أم عفيف تندب مريم وتقول لإبنتها تغريد: «كتير عليِّ موت مريم بها العمر يا بنتي». لكنها لم تكن تعلم أن إبنتها زينب التي تقيم بعد زواجها في إحدى القرى المجاورة «يارون» سبقت مريم إلى الإستشهاد وأنها هناك حيث تسكن ما زالت تحت الركام مع إبنتيها.

في صيدا، حظَّ رحال الجدة وتغريد والحفيدة بتول في منزل علياء ابنة أم عفيف، التي ردت على رنين الهاتف ورفعت السماعة وشرعت بالبكاء دون أن تلفظ أية كلمة، ركضت أم عفيف بإتجاه علياء التي طمأنتها «ما في شي يا أمي، أنا بس تذكرت مريم».

لم يقتنع قلب الأم، وركضت باتجاه صهرها أحمد، (زوج علياء):«دخيلك يا أحمد شو بها عليا» سألته.

توقعت أم عفيف كل شيء إلا أن يأخذها صهرها إلى غرفة مجاورة يجلس ويقول لها:«هلق وبعدين بدك تعرفي... العوض بسلامتك عفيف وريما (زوجة عفيف) وولادهم وفايز إستشهدوا يا مراة عمي».

لا تذكر تلك الأم الصابرة أنها بكت أو صرخت، فقط الذهول والصمت الطويل. كان فايز وعائلته وعفيف وعائلته تركوا منازلهم مع إشتداد المعارك، ولجأوا مع أهالي قريتهم إلى تلك الغرفة الصغيرة التي هدمها الإسرائيليون على رؤوس 18 شخصاً من البلدة ومحيطها، وهناك إستشهدوا جميعاً.

بعد وقف إطلاق النار الذي حجب الهمجية الصهيونية عن الأطفال والشيوخ إصطحبوا ام عفيف إلى تشييع شهدائها وهي تندب:«آخ يا بنيتي ما بقى فيّ دمع، قلبي محروق» تقطع ندبها لتعود وتقول هناك في الحسينية:«لو بتشوفوهم كيف كانوا مصفوفين فايز وعفيف، مريم وريما، وولاد فايز الأربعة بالنص».

لتعود وتخاطب إبنها عباس الوحيد المتبقي من أبنائها الشباب:«روح جيب زينب من ضيعتها يا عباس، لو فايز عايش كان جابها قبل ما إحكي».

ذهب عباس ليأتي بزينب فوجدهم قد دفنوها مع إبنتيها وعمها وزوجة عمها، بعد أن بقوا خمسة عشر يوماً تحت الركام.

زادت حسرة تلك الجدة المنكوبة وزاد نحيبها:«ودعت مريم وبقيت حدي عشرة أيام، شفت جثامين عفيف وفايز وولادهم ومرته، بس زينب ما شفت شي منها».

هناك على رصيف الطريق المؤدية إلى منزلها والقريب من مكان ملحمة البطولة التي خاضها المقاومون البواسل على مربع التحرير (مارون الراس-بنت جبيل-عيترون إلى عيناتا) تقضي أم عفيف وقتها. تدور بين البيوت، من بيت عفيف إلى بيت فايز، لتعود إلى حيث إستشهدت مريم بين يديها على عتبة منزلها وتقول:«يا ريتني خسرت كل شي، يا ريتني مت أبشع موته، بس ياريت بقيت عم شوف وجوهم». 

هذا هو تمني الجدة أم عفيف التي ذاقت علقم الحياة على أيدي صهاينة الكفر. أما بتول، بقيت السلوى لتلك الجدة التي كانت تردد وباستمرار خلف جدتها الندب:«يامريم... يامريم...» وببراءة الأطفال كانت تعتقد بأن ندب جدتها سيعيد اليها مريم أمها. وكانت تقول لجدتها:«هلق مريم بتجي بتنام يا تاتا...».

I'm a paragraph. Click here to add your own text and edit me. I'm a great place for you to tell your story and let your visitors know a little more about you.